الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
226
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والباء للتعدية لا للسببية ، فتعدية فعل ( يؤمنون ) إلى ضمير القرآن من باب إضافة الحكم إلى الأعيان وإرادة أوصافها مثل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [ النساء : 23 ] ، أي يؤمنون بما وصف به القرآن من أنه من عند اللّه . وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ هود : 14 ] فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بيّنة من ربّهم مؤيّدة بشاهد من ربهم ومعضودة بكتاب موسى - عليه السلام - من قبل بيّنتهم . وقريب من معنى الآية قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [ الأحقاف : 10 ] فاستقام تفسير الآية تمام الاستقامة ، وأنت لا يعوزك تركيب الوجوه التي تأول بها المفسرون ممّا يخالف ما ذكرناه كلا أو بعضا فبصرك فيها حديد ، وبيدك لفتح مغالقها مقاليد . وجملة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ عطف على جملة أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ لأنه لمّا حرض أهل مكة على الإسلام بقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ هود : 14 ] ، وأراهم القدوة بقوله : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، عاد فحذر من الكفر بالقرآن فقال : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ ، وأعرض عما تبين له من بيّنة ربه وشواهد رسله فالنّار موعده . والأحزاب : هم جماعات الأمم الذين يجمعهم أمر يجتمعون عليه ، فالمشركون حزب ، واليهود حزب ، والنصارى حزب ، قال تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ [ ص : 12 ، 13 ] . والباء في يَكْفُرْ بِهِ كالباء في يُؤْمِنُونَ بِهِ . والموعد : ظرف للوعد من مكان أو زمان . وأطلق هنا على المصير الصائر إليه لأن شأن المكان المعيّن لعمل أن يعين به بوعد سابق . فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ تفريع على جملة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم . والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ونقصه ، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه . ولما كان المخاطب غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيطلب منه تركه ويكون النهي طلب تحصيل الحاصل ، تعيّن أن يكون النهي